أيتام الحرية والعروبة غادة السمان MAY 1, 2015 حذار من قراءة « طلّ وشَرَر» كتاب رغيد النحاس، السوري (الشامي العتيق) الاسترالي قبل النوم. فهو كتاب مضاد للنوم والنسيان والسلوان.. كتاب: «طلّ وشَرَر» مجموعة من الألغام تقمصت كتاب. إنه كتاب مؤلم ومتألم ولكن تسيل منه روح المحبة والغفران بأكثر من روح المرارة والانتقام. والدكتور رغيد النحاس يعرفه الوطن العربي والاغتراب كرئيس لتحرير مجلة «كلمات» الصادرة بالعربية والانكليزية، في استراليا، مد فيها جسراً إبداعياً بين استراليا والعالم العربي، وبكل تواضع قدم مبدعي الوطن العربي وترك لهم المسرح وظل في الظل يصدر مجلته بالعربية والانكليزية طويلاً منفقا عليها من قلبه وماله الخاص. صدرت مجلة «كلمات» أعواماً ثم توقفت عن الصدور، فمن حق الجهد الفردي أن يتعب ويعلن استقالته من شبه اللامبالاة الجماعية بخسارته المالية ناهيك عن تضحياته بوقته قبل ماله. فقدان الديمقراطية علّتنا في «طلّ وشرر» لا يكتب د. رغيد نحاس بلغة المواراة.. ويعلن أن سبب خيبات «أيتام الوحدة العربية» ـ والتسمية من عندي – هو الافتقاد إلى الديمقراطية.. والوحدة بين سوريا ومصر لقيت مصرعها، كما يقول، على الرغم من أن جمال عبد الناصر «لم تكن مطامعه سوى المطامع الوطنية لكن غايته بررت واسطته فاعتمد على ثلة من السفاحين في سوريا (ورغيد سماهم واحداً واحداً في كتابه دونما مواراة) مضيفاً: كانت هزيمة 1967 نتيجة واضحة برأيي لغياب الديمقراطية. ولا أعني الديمقراطية بمفهومها الانتخابي فحسب بل الأهم من ذلك الأصغاء والاستئناس بالآراء، خاصة ما خالف منها. وربما كان عبد الناصر يبرر سطوته التاريخية القاهرة بانقضاض الاستعمار عليه من كل حدب وصوب»، كما يرى المؤلف. ويروي د. رغيد قول أحد وزراء الوحدة في القطر الشمالي (أي سوريا) الذي أكد أنه حين أراد مرة أن ينقل إلى الرئيس عبد الناصر بعض الأوضاع الشاذة التي تعاني منها بعض المرافق السورية سأله عبد الناصر إن كان «يريد شيئاً»… «أي أن وزيرنا لم يلق آذانا صاغية» كما علق د. رغيد مضيفا: لعل رد الرئيس كان إهانة واضحة لشخصية من «أشرف شخصيات سوريا». وهكذا ولأخطاء أخرى فادحة انكسر حلم الوحدة العربية وتكاثر أيتامها (وأنا منهم). ولكن د. رغيد النحاس يضيف بكل عمق بعد أن يعود بالمأساة السورية إلى جذورها: «آن الأوان لتبدأ الشعوب العربية بالنظر إلى قضاياها نظرة تكاملية، تجمع بين العزة والحرية والاقتصاد. يجب أن لا تتبختر الشعوب ثانية بأي طروحات معسولة يطرحها «القائد» لتداعب المواطن الذي يستكين، بينما تعيث الطبقة الحاكمة فساداً على كل جوانبه فتسرق من المواطن السوري جيبه وتسلب فكره وتهتك عرضه». كم ذلك صحيح وأليم ومن بعض ما قادنا إلى ما نعيشه اليوم هنا وهناك في عالمنا العربي.. من كوابيس. دمشق مدينة لا تُنسى اتفق مع الدكتور أحمد شبول، الرئيس السابق لقسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة سيدني (استراليا)، الذي يقول عن النصوص في كتاب «طل وشرر» المستوحاة من أجواء دمشق «أثارت شجوني فعلاً». تلك الأبجدية الملتاعة الملثمة بقناع المحايدة الأدبية والعقلانية ساحرة كما في نصوصه/القصص عن دمشق.. وأعني بذلك نصوصاً وجدتها قصصا قصيرة كما في «كان فجراً قصيراً» و»توت شامي» و»خواجا خليل» وسواها كثير ناهيك عن نص «جدو» أي جد المؤلف، مع صورة ذلك الجد والذي يشبه معظم أجداد الشوام وهي من تصوير «نوفل» الشهير في دمشق يومئذ، والصور في الكتاب جزء من النص المترع تحنيناً يتقن فن الأشواق الشامية إلى سوريا، يكتبها بأسلوب يقول عنه د. أحمد شبول وأوافقه عليه: «أسلوب فني مباشر وصريح ونابع من القلب والعقل بلغة جميلة سلسة.. أسلوب دمشقي عريق لكنه أسلوب رغيد النحاس». أبجدية د. النحاس ترسم أيضا صورة عن زمنها الذي تتحدث عنه، وعن دمشق وأسواقها القديمة كسوق «البروكار» مثلاً والتنافس على الزبونات اللبنانيات الجميلات. ويذكر د. النحاس سوق «القباقبية» جانب المسجد الأموي الذي لا ينساه كل شامي عتيق مثلي وفي كل بيت في «زقاق الياسمين» وسواه كنا نجد «القبقاب الشبراوي» منه وهو الجد الأول للموضة الباريسية الحالية: الكعب «الكومبونسية». أبجدية رغيد من «معجم الأحزان» إنه كتاب مع عشاق سوريا والحرية ويرسم معظم الأوجاع العربية، ويثير ينابيع مصائبنا الماضية والآتية، وأشجاننا العربية كلها، ومنها الفساد، ويجسده د. النحاس في سلوك أحد الموظفين في السفارة السورية ذات يوم إذ كان يتأخر عن دفع المخصصات للمبتعثين من طلبة الدكتوراه في لندن كي يربح المال من توظيفها شهوراً في البنك ليكسب (الفائدة) وهم يعانون، وبالذات من له زوجة حامل ومسؤولية أسرة. لا يعلق د. النحاس طويلاً على هذه الصورة بل يترك للقارئ أن يذكر تجاربه مع الفساد العربي الشاسع في «وحدة» من السرقة والطمع لم يغلبها غلاب!!.. ويروي قصصا حدثت لكل منا على نحو ما مع الفساد في الإدارات العامة والخاصة لمصلحة (الاقرباء أو الذين يرشون) مما لا صلة لها بالعدل والأخلاق الحضارية على العكس مما يدور في الغرب كما يقول. ونعيش مع د. النحاس كمن يقرأ رواية عن شاب دمشقي درس في بيروت فلندن وهاجر إلى استراليا ونجح وكتب فأبدع، وحب الوطن الأم ظل يخترقه كصاعقة. غادة السمان Email this:

أيتام الحرية والعروبة

غادة السمان

حذار من قراءة « طلّ وشَرَر» كتاب رغيد النحاس، السوري (الشامي العتيق) الاسترالي قبل النوم. فهو كتاب مضاد للنوم والنسيان والسلوان.. كتاب: «طلّ وشَرَر» مجموعة من الألغام تقمصت كتاب. إنه كتاب مؤلم ومتألم ولكن تسيل منه روح المحبة والغفران بأكثر من روح المرارة والانتقام.
والدكتور رغيد النحاس يعرفه الوطن العربي والاغتراب كرئيس لتحرير مجلة «كلمات» الصادرة بالعربية والانكليزية، في استراليا، مد فيها جسراً إبداعياً بين استراليا والعالم العربي، وبكل تواضع قدم مبدعي الوطن العربي وترك لهم المسرح وظل في الظل يصدر مجلته بالعربية والانكليزية طويلاً منفقا عليها من قلبه وماله الخاص.
صدرت مجلة «كلمات» أعواماً ثم توقفت عن الصدور، فمن حق الجهد الفردي أن يتعب ويعلن استقالته من شبه اللامبالاة الجماعية بخسارته المالية ناهيك عن تضحياته بوقته قبل ماله.

فقدان الديمقراطية علّتنا

في «طلّ وشرر» لا يكتب د. رغيد نحاس بلغة المواراة.. ويعلن أن سبب خيبات «أيتام الوحدة العربية» ـ والتسمية من عندي – هو الافتقاد إلى الديمقراطية.. والوحدة بين سوريا ومصر لقيت مصرعها، كما يقول، على الرغم من أن جمال عبد الناصر «لم تكن مطامعه سوى المطامع الوطنية لكن غايته بررت واسطته فاعتمد على ثلة من السفاحين في سوريا (ورغيد سماهم واحداً واحداً في كتابه دونما مواراة) مضيفاً: كانت هزيمة 1967 نتيجة واضحة برأيي لغياب الديمقراطية. ولا أعني الديمقراطية بمفهومها الانتخابي فحسب بل الأهم من ذلك الأصغاء والاستئناس بالآراء، خاصة ما خالف منها. وربما كان عبد الناصر يبرر سطوته التاريخية القاهرة بانقضاض الاستعمار عليه من كل حدب وصوب»، كما يرى المؤلف.
ويروي د. رغيد قول أحد وزراء الوحدة في القطر الشمالي (أي سوريا) الذي أكد أنه حين أراد مرة أن ينقل إلى الرئيس عبد الناصر بعض الأوضاع الشاذة التي تعاني منها بعض المرافق السورية سأله عبد الناصر إن كان «يريد شيئاً»… «أي أن وزيرنا لم يلق آذانا صاغية» كما علق د. رغيد مضيفا: لعل رد الرئيس كان إهانة واضحة لشخصية من «أشرف شخصيات سوريا». وهكذا ولأخطاء أخرى فادحة انكسر حلم الوحدة العربية وتكاثر أيتامها (وأنا منهم).
ولكن د. رغيد النحاس يضيف بكل عمق بعد أن يعود بالمأساة السورية إلى جذورها: «آن الأوان لتبدأ الشعوب العربية بالنظر إلى قضاياها نظرة تكاملية، تجمع بين العزة والحرية والاقتصاد. يجب أن لا تتبختر الشعوب ثانية بأي طروحات معسولة يطرحها «القائد» لتداعب المواطن الذي يستكين، بينما تعيث الطبقة الحاكمة فساداً على كل جوانبه فتسرق من المواطن السوري جيبه وتسلب فكره وتهتك عرضه». كم ذلك صحيح وأليم ومن بعض ما قادنا إلى ما نعيشه اليوم هنا وهناك في عالمنا العربي.. من كوابيس.

دمشق مدينة لا تُنسى

اتفق مع الدكتور أحمد شبول، الرئيس السابق لقسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة سيدني (استراليا)، الذي يقول عن النصوص في كتاب «طل وشرر» المستوحاة من أجواء دمشق «أثارت شجوني فعلاً».
تلك الأبجدية الملتاعة الملثمة بقناع المحايدة الأدبية والعقلانية ساحرة كما في نصوصه/القصص عن دمشق.. وأعني بذلك نصوصاً وجدتها قصصا قصيرة كما في «كان فجراً قصيراً» و»توت شامي» و»خواجا خليل» وسواها كثير ناهيك عن نص «جدو» أي جد المؤلف، مع صورة ذلك الجد والذي يشبه معظم أجداد الشوام وهي من تصوير «نوفل» الشهير في دمشق يومئذ، والصور في الكتاب جزء من النص المترع تحنيناً يتقن فن الأشواق الشامية إلى سوريا، يكتبها بأسلوب يقول عنه د. أحمد شبول وأوافقه عليه:
«أسلوب فني مباشر وصريح ونابع من القلب والعقل بلغة جميلة سلسة.. أسلوب دمشقي عريق لكنه أسلوب رغيد النحاس».
أبجدية د. النحاس ترسم أيضا صورة عن زمنها الذي تتحدث عنه، وعن دمشق وأسواقها القديمة كسوق «البروكار» مثلاً والتنافس على الزبونات اللبنانيات الجميلات. ويذكر د. النحاس سوق «القباقبية» جانب المسجد الأموي الذي لا ينساه كل شامي عتيق مثلي وفي كل بيت في «زقاق الياسمين» وسواه كنا نجد «القبقاب الشبراوي» منه وهو الجد الأول للموضة الباريسية الحالية: الكعب «الكومبونسية».

أبجدية رغيد من «معجم الأحزان»

إنه كتاب مع عشاق سوريا والحرية ويرسم معظم الأوجاع العربية، ويثير ينابيع مصائبنا الماضية والآتية، وأشجاننا العربية كلها، ومنها الفساد، ويجسده د. النحاس في سلوك أحد الموظفين في السفارة السورية ذات يوم إذ كان يتأخر عن دفع المخصصات للمبتعثين من طلبة الدكتوراه في لندن كي يربح المال من توظيفها شهوراً في البنك ليكسب (الفائدة) وهم يعانون، وبالذات من له زوجة حامل ومسؤولية أسرة. لا يعلق د. النحاس طويلاً على هذه الصورة بل يترك للقارئ أن يذكر تجاربه مع الفساد العربي الشاسع في «وحدة» من السرقة والطمع لم يغلبها غلاب!!..
ويروي قصصا حدثت لكل منا على نحو ما مع الفساد في الإدارات العامة والخاصة لمصلحة (الاقرباء أو الذين يرشون) مما لا صلة لها بالعدل والأخلاق الحضارية على العكس مما يدور في الغرب كما يقول. ونعيش مع د. النحاس كمن يقرأ رواية عن شاب دمشقي درس في بيروت فلندن وهاجر إلى استراليا ونجح وكتب فأبدع، وحب الوطن الأم ظل يخترقه كصاعقة.

غادة السمان

حذار من قراءة « طلّ وشَرَر» كتاب رغيد النحاس، السوري (الشامي العتيق) الاسترالي قبل النوم. فهو كتاب مضاد للنوم والنسيان والسلوان.. كتاب: «طلّ وشَرَر» مجموعة من الألغام تقمصت كتاب. إنه كتاب مؤلم ومتألم ولكن تسيل منه روح المحبة والغفران بأكثر من روح المرارة والانتقام.
والدكتور رغيد النحاس يعرفه الوطن العربي والاغتراب كرئيس لتحرير مجلة «كلمات» الصادرة بالعربية والانكليزية، في استراليا، مد فيها جسراً إبداعياً بين استراليا والعالم العربي، وبكل تواضع قدم مبدعي الوطن العربي وترك لهم المسرح وظل في الظل يصدر مجلته بالعربية والانكليزية طويلاً منفقا عليها من قلبه وماله الخاص.
صدرت مجلة «كلمات» أعواماً ثم توقفت عن الصدور، فمن حق الجهد الفردي أن يتعب ويعلن استقالته من شبه اللامبالاة الجماعية بخسارته المالية ناهيك عن تضحياته بوقته قبل ماله.

فقدان الديمقراطية علّتنا

في «طلّ وشرر» لا يكتب د. رغيد نحاس بلغة المواراة.. ويعلن أن سبب خيبات «أيتام الوحدة العربية» ـ والتسمية من عندي – هو الافتقاد إلى الديمقراطية.. والوحدة بين سوريا ومصر لقيت مصرعها، كما يقول، على الرغم من أن جمال عبد الناصر «لم تكن مطامعه سوى المطامع الوطنية لكن غايته بررت واسطته فاعتمد على ثلة من السفاحين في سوريا (ورغيد سماهم واحداً واحداً في كتابه دونما مواراة) مضيفاً: كانت هزيمة 1967 نتيجة واضحة برأيي لغياب الديمقراطية. ولا أعني الديمقراطية بمفهومها الانتخابي فحسب بل الأهم من ذلك الأصغاء والاستئناس بالآراء، خاصة ما خالف منها. وربما كان عبد الناصر يبرر سطوته التاريخية القاهرة بانقضاض الاستعمار عليه من كل حدب وصوب»، كما يرى المؤلف.
ويروي د. رغيد قول أحد وزراء الوحدة في القطر الشمالي (أي سوريا) الذي أكد أنه حين أراد مرة أن ينقل إلى الرئيس عبد الناصر بعض الأوضاع الشاذة التي تعاني منها بعض المرافق السورية سأله عبد الناصر إن كان «يريد شيئاً»… «أي أن وزيرنا لم يلق آذانا صاغية» كما علق د. رغيد مضيفا: لعل رد الرئيس كان إهانة واضحة لشخصية من «أشرف شخصيات سوريا». وهكذا ولأخطاء أخرى فادحة انكسر حلم الوحدة العربية وتكاثر أيتامها (وأنا منهم).
ولكن د. رغيد النحاس يضيف بكل عمق بعد أن يعود بالمأساة السورية إلى جذورها: «آن الأوان لتبدأ الشعوب العربية بالنظر إلى قضاياها نظرة تكاملية، تجمع بين العزة والحرية والاقتصاد. يجب أن لا تتبختر الشعوب ثانية بأي طروحات معسولة يطرحها «القائد» لتداعب المواطن الذي يستكين، بينما تعيث الطبقة الحاكمة فساداً على كل جوانبه فتسرق من المواطن السوري جيبه وتسلب فكره وتهتك عرضه». كم ذلك صحيح وأليم ومن بعض ما قادنا إلى ما نعيشه اليوم هنا وهناك في عالمنا العربي.. من كوابيس.

دمشق مدينة لا تُنسى

اتفق مع الدكتور أحمد شبول، الرئيس السابق لقسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة سيدني (استراليا)، الذي يقول عن النصوص في كتاب «طل وشرر» المستوحاة من أجواء دمشق «أثارت شجوني فعلاً».
تلك الأبجدية الملتاعة الملثمة بقناع المحايدة الأدبية والعقلانية ساحرة كما في نصوصه/القصص عن دمشق.. وأعني بذلك نصوصاً وجدتها قصصا قصيرة كما في «كان فجراً قصيراً» و»توت شامي» و»خواجا خليل» وسواها كثير ناهيك عن نص «جدو» أي جد المؤلف، مع صورة ذلك الجد والذي يشبه معظم أجداد الشوام وهي من تصوير «نوفل» الشهير في دمشق يومئذ، والصور في الكتاب جزء من النص المترع تحنيناً يتقن فن الأشواق الشامية إلى سوريا، يكتبها بأسلوب يقول عنه د. أحمد شبول وأوافقه عليه:
«أسلوب فني مباشر وصريح ونابع من القلب والعقل بلغة جميلة سلسة.. أسلوب دمشقي عريق لكنه أسلوب رغيد النحاس».
أبجدية د. النحاس ترسم أيضا صورة عن زمنها الذي تتحدث عنه، وعن دمشق وأسواقها القديمة كسوق «البروكار» مثلاً والتنافس على الزبونات اللبنانيات الجميلات. ويذكر د. النحاس سوق «القباقبية» جانب المسجد الأموي الذي لا ينساه كل شامي عتيق مثلي وفي كل بيت في «زقاق الياسمين» وسواه كنا نجد «القبقاب الشبراوي» منه وهو الجد الأول للموضة الباريسية الحالية: الكعب «الكومبونسية».

أبجدية رغيد من «معجم الأحزان»

إنه كتاب مع عشاق سوريا والحرية ويرسم معظم الأوجاع العربية، ويثير ينابيع مصائبنا الماضية والآتية، وأشجاننا العربية كلها، ومنها الفساد، ويجسده د. النحاس في سلوك أحد الموظفين في السفارة السورية ذات يوم إذ كان يتأخر عن دفع المخصصات للمبتعثين من طلبة الدكتوراه في لندن كي يربح المال من توظيفها شهوراً في البنك ليكسب (الفائدة) وهم يعانون، وبالذات من له زوجة حامل ومسؤولية أسرة. لا يعلق د. النحاس طويلاً على هذه الصورة بل يترك للقارئ أن يذكر تجاربه مع الفساد العربي الشاسع في «وحدة» من السرقة والطمع لم يغلبها غلاب!!..
ويروي قصصا حدثت لكل منا على نحو ما مع الفساد في الإدارات العامة والخاصة لمصلحة (الاقرباء أو الذين يرشون) مما لا صلة لها بالعدل والأخلاق الحضارية على العكس مما يدور في الغرب كما يقول. ونعيش مع د. النحاس كمن يقرأ رواية عن شاب دمشقي درس في بيروت فلندن وهاجر إلى استراليا ونجح وكتب فأبدع، وحب الوطن الأم ظل يخترقه كصاعقة.

غادة السمان

Advertisements
أيتام الحرية والعروبة غادة السمان MAY 1, 2015 حذار من قراءة « طلّ وشَرَر» كتاب رغيد النحاس، السوري (الشامي العتيق) الاسترالي قبل النوم. فهو كتاب مضاد للنوم والنسيان والسلوان.. كتاب: «طلّ وشَرَر» مجموعة من الألغام تقمصت كتاب. إنه كتاب مؤلم ومتألم ولكن تسيل منه روح المحبة والغفران بأكثر من روح المرارة والانتقام. والدكتور رغيد النحاس يعرفه الوطن العربي والاغتراب كرئيس لتحرير مجلة «كلمات» الصادرة بالعربية والانكليزية، في استراليا، مد فيها جسراً إبداعياً بين استراليا والعالم العربي، وبكل تواضع قدم مبدعي الوطن العربي وترك لهم المسرح وظل في الظل يصدر مجلته بالعربية والانكليزية طويلاً منفقا عليها من قلبه وماله الخاص. صدرت مجلة «كلمات» أعواماً ثم توقفت عن الصدور، فمن حق الجهد الفردي أن يتعب ويعلن استقالته من شبه اللامبالاة الجماعية بخسارته المالية ناهيك عن تضحياته بوقته قبل ماله. فقدان الديمقراطية علّتنا في «طلّ وشرر» لا يكتب د. رغيد نحاس بلغة المواراة.. ويعلن أن سبب خيبات «أيتام الوحدة العربية» ـ والتسمية من عندي – هو الافتقاد إلى الديمقراطية.. والوحدة بين سوريا ومصر لقيت مصرعها، كما يقول، على الرغم من أن جمال عبد الناصر «لم تكن مطامعه سوى المطامع الوطنية لكن غايته بررت واسطته فاعتمد على ثلة من السفاحين في سوريا (ورغيد سماهم واحداً واحداً في كتابه دونما مواراة) مضيفاً: كانت هزيمة 1967 نتيجة واضحة برأيي لغياب الديمقراطية. ولا أعني الديمقراطية بمفهومها الانتخابي فحسب بل الأهم من ذلك الأصغاء والاستئناس بالآراء، خاصة ما خالف منها. وربما كان عبد الناصر يبرر سطوته التاريخية القاهرة بانقضاض الاستعمار عليه من كل حدب وصوب»، كما يرى المؤلف. ويروي د. رغيد قول أحد وزراء الوحدة في القطر الشمالي (أي سوريا) الذي أكد أنه حين أراد مرة أن ينقل إلى الرئيس عبد الناصر بعض الأوضاع الشاذة التي تعاني منها بعض المرافق السورية سأله عبد الناصر إن كان «يريد شيئاً»… «أي أن وزيرنا لم يلق آذانا صاغية» كما علق د. رغيد مضيفا: لعل رد الرئيس كان إهانة واضحة لشخصية من «أشرف شخصيات سوريا». وهكذا ولأخطاء أخرى فادحة انكسر حلم الوحدة العربية وتكاثر أيتامها (وأنا منهم). ولكن د. رغيد النحاس يضيف بكل عمق بعد أن يعود بالمأساة السورية إلى جذورها: «آن الأوان لتبدأ الشعوب العربية بالنظر إلى قضاياها نظرة تكاملية، تجمع بين العزة والحرية والاقتصاد. يجب أن لا تتبختر الشعوب ثانية بأي طروحات معسولة يطرحها «القائد» لتداعب المواطن الذي يستكين، بينما تعيث الطبقة الحاكمة فساداً على كل جوانبه فتسرق من المواطن السوري جيبه وتسلب فكره وتهتك عرضه». كم ذلك صحيح وأليم ومن بعض ما قادنا إلى ما نعيشه اليوم هنا وهناك في عالمنا العربي.. من كوابيس. دمشق مدينة لا تُنسى اتفق مع الدكتور أحمد شبول، الرئيس السابق لقسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة سيدني (استراليا)، الذي يقول عن النصوص في كتاب «طل وشرر» المستوحاة من أجواء دمشق «أثارت شجوني فعلاً». تلك الأبجدية الملتاعة الملثمة بقناع المحايدة الأدبية والعقلانية ساحرة كما في نصوصه/القصص عن دمشق.. وأعني بذلك نصوصاً وجدتها قصصا قصيرة كما في «كان فجراً قصيراً» و»توت شامي» و»خواجا خليل» وسواها كثير ناهيك عن نص «جدو» أي جد المؤلف، مع صورة ذلك الجد والذي يشبه معظم أجداد الشوام وهي من تصوير «نوفل» الشهير في دمشق يومئذ، والصور في الكتاب جزء من النص المترع تحنيناً يتقن فن الأشواق الشامية إلى سوريا، يكتبها بأسلوب يقول عنه د. أحمد شبول وأوافقه عليه: «أسلوب فني مباشر وصريح ونابع من القلب والعقل بلغة جميلة سلسة.. أسلوب دمشقي عريق لكنه أسلوب رغيد النحاس». أبجدية د. النحاس ترسم أيضا صورة عن زمنها الذي تتحدث عنه، وعن دمشق وأسواقها القديمة كسوق «البروكار» مثلاً والتنافس على الزبونات اللبنانيات الجميلات. ويذكر د. النحاس سوق «القباقبية» جانب المسجد الأموي الذي لا ينساه كل شامي عتيق مثلي وفي كل بيت في «زقاق الياسمين» وسواه كنا نجد «القبقاب الشبراوي» منه وهو الجد الأول للموضة الباريسية الحالية: الكعب «الكومبونسية». أبجدية رغيد من «معجم الأحزان» إنه كتاب مع عشاق سوريا والحرية ويرسم معظم الأوجاع العربية، ويثير ينابيع مصائبنا الماضية والآتية، وأشجاننا العربية كلها، ومنها الفساد، ويجسده د. النحاس في سلوك أحد الموظفين في السفارة السورية ذات يوم إذ كان يتأخر عن دفع المخصصات للمبتعثين من طلبة الدكتوراه في لندن كي يربح المال من توظيفها شهوراً في البنك ليكسب (الفائدة) وهم يعانون، وبالذات من له زوجة حامل ومسؤولية أسرة. لا يعلق د. النحاس طويلاً على هذه الصورة بل يترك للقارئ أن يذكر تجاربه مع الفساد العربي الشاسع في «وحدة» من السرقة والطمع لم يغلبها غلاب!!.. ويروي قصصا حدثت لكل منا على نحو ما مع الفساد في الإدارات العامة والخاصة لمصلحة (الاقرباء أو الذين يرشون) مما لا صلة لها بالعدل والأخلاق الحضارية على العكس مما يدور في الغرب كما يقول. ونعيش مع د. النحاس كمن يقرأ رواية عن شاب دمشقي درس في بيروت فلندن وهاجر إلى استراليا ونجح وكتب فأبدع، وحب الوطن الأم ظل يخترقه كصاعقة. غادة السمان Email this: