المفهوم واللامفهوم في المسألة التركية ـ الأرمنية—– مالك التريكي

المفهوم واللامفهوم في المسألة التركية ـ الأرمنية

مالك التريكي

الحساسية التركية الرسمية إزاء المسألة التي لا تزال مثار جدل، منذ قرن بالضبط، حول مصير العثمانيين الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى حساسية مفهومة وغير مفهومة في الوقت ذاته. حساسية مفهومة لأن هنالك تبعات ثقيلة تنجم بشكل ناجز عن إفراد ذكرى مذبحة الأرمن دون سواهم من الضحايا (الذين كان في عدادهم كثير من العثمانيين المسلمين عربا وأتراكا) بالإحياء والتعظيم، وعن تخصيصها لوحدها بالمقام الأخلاقي الاستثنائي الملازم للاستخدام الحصري لكلمة «الإبادة» (الجنوسايد). اما أوضح هذه التبعات فيتمثل في فتح الباب لحملات الابتزاز والمطالبة المستمرة بالتعويض على النحو الذي تفنن فيه الصهاينة وتفوقوا.
الحساسية التركية مفهومة إذن حتى لو اجتهدت إسطنبول في محاولة تخيل مجتمع دولي حسن النيات خال من الحسابات اجتهادا يمكن معه تصديق ما ذهب إليه الرئيس الفرنسي عندما قال الأسبوع الماضي في إيريفان بأن «إحياء ذكرى إبادة (ما) لا يعني نصب محاكمة، وانما هو (مجرد) اعتراف بمأساة». الا ان هذه الحساسية تبقى، رغم كل ما سبق، غير مفهومة أيضا. لماذا؟ لأن الدولة التركية الحديثة ليست مسؤولة باي وجه عن أعمال الدولة العثمانية المندثرة. وقد كان هذا هو موقف شارل ديغول مما حدث في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية (خاصة في ما يتعلق باضطهاد اليهود ومساعدة النازيين في إبادتهم)، حيث قال إن فرنسا المحررة ليست مسؤولة في شيء عن أعمال فرنسا المحتلة. ومعنى ذلك أن نظام فيشي لم يكن يمثل الدولة الفرنسية لأنه لم يكن نظاما شرعيا (حتى لو كان نظاما قانونيا من الناحية الشكلية).
على ان من الواجب التنبيه، مع ذلك، إلى ان الحساسية الرسمية إنما تجد مرتكزها في حساسية شعبية قوية وعميقة أتيح لنا أن نقف على شواهدها عندما زرنا منطقة ساريقاميش التركية المحاذية لأرمينيا والتي وقعت فيها أغلب المعارك بين الأتراك وبين الأرمن وحلفائهم الروس. اذ ان ذكرى آلام الغارات والمذابح الأرمنية ضد أهالي تلك المنطقة الجبلية الوعرة من الفلاحين الأتراك لا تزال حية تفعل فعلها في النفوس. وقد قابلنا شيخا معمرا كان في الثانية عشرة من العمر عندما بدأت الحرب، وقد روى لعائلته مرارا كيف فر مع الأهالي من اعتداءات الأرمن (الذين «كان بينهم امرأة شابة تحسن القنص»).
هذا، ولا يمكن المجادلة في أن مئات من المثقفين والوجهاء العثمانيين الأرمن اعتقلوا في اسطنبول فجر 24 نيسان (ابريل) 1915، وأن قرارا رسميا صدر يوم 27 أيار (مايو) بتهجير مئات الآلاف من المواطنين العثمانيين الأرمن، وأن النتيجة النهائية تمثلت في تشريد ما بين مليون ومليون ونصف أرمني، ومقتل ما بين 600 ألف و800 ألف آخرين. هذه هي التقديرات الاقرب للصحة، خاصة انها صادرة عن المؤرخ التركي المرموق خليل بركتاي الذي يمضي في الشجاعة والنزاهة إلى حد عدم التردد في تصنيف ما حدث بأنه «إبادة». فما هو مسلسل الأحداث؟ يقول بركتاي: «أثناء حملة ساريقاميش أبرق أنور باشا إلى طلعت باشا في اسطنبول يقول له إن الروس يقومون بتهجير جميع المسلمين من القوقاز باتجاه خطوطنا، مما يصيب مجهودنا الحربي بالإرباك، أفلا ترى معي أن علينا بدورنا أن نهجّر مواطنينا الأرمن نحو الأراضي الروسية بهدف الانتقام، وبهدف إيقاع الروس في إرباك مماثل اقتصاديا وإداريا؟ هذه حسب علمي هي الصيغة الأولية لنشوء فكرة تهجير الأرمن. وقد رد طلعت قائلا: لا،لا، فلنفكر في الأمر مليا. إلا أن ما حدث هو أن الفكرة تطورت بمضي الوقت حتى صارت تتمثل في تهجير الأرمن تهجيرا واسعا نحو الأقاليم العربية».
لماذا؟ لأنه صار «من الواضح الجلي» عند أنور وطلعت «أن جميع هؤلاء الأرمن قد فشت فيهم النزعة القومية وأنه لا يمكن الثقة بهم وأنهم مستعدون للخيانة، ونحن في حالة حرب. لا سبيل إذن للتهاون وللسماح بأن يتكرر الآن ما حدث مع قوميات البلقان: فلنأخذ بزمام المبادرة ولنتخذ إجراءات استباقية… وهكذا بدأت الأحداث المؤدية إلى إبادة الأرمن».

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

Advertisements
المفهوم واللامفهوم في المسألة التركية ـ الأرمنية—– مالك التريكي