عقوبة أن تكون رئيساً مدنيّاً في مصر! — رأي القدس

عقوبة أن تكون رئيساً مدنيّاً في مصر!

رأي القدس

أصدر أحمد صبري يوسف، قاضي محكمة جنايات القاهرة، أمس حكماً بالسجن 20 عاماً على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في القضية المعروفة إعلاميا بـ»أحداث الاتحادية».
قبل إصدار قراره «التاريخي» تلا القاضي آيتين قرآنيتين يمكن تأويلهما بعدّة اتجاهات، لكن التعليل الأبسط هو اعتبارهما استعانة بالثقل الرمزي للقرآن لتبرير ما لا تكفي آليات القضاء الرسميّ المصري لتبريره.
وقعت أحداث القضية التي حكم مرسي فيها بعشرين سنة سجناً في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2012، مع حصول اشتباكات بين أعضاء من جماعة «الإخوان المسلمين» ومتظاهرين رافضين للإعلان الدستوري المكمّل الذي أصدره مرسي نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه.
شهدت تلك الأحداث سقوط 9 قتلى بينهم ثمانية من أنصار مرسي، شكّل ذووهم رابطة قدّمت بلاغات قانونية ضد عدد من السياسيين المصريين بينهم المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي تتهمهم بتحريض أنصارهم على التظاهر ومحاصرة «قصر الاتحادية»، كما قدمت بلاغات ضد إعلاميين بينهم وائل الأبراشي ولميس الحديدي بتهمة التحريض الإعلامي، ولكنّ النيابة العامة المصرية تجاهلت بلاغات ذوي المقتولين من أنصار مرسي وقبلت بلاغات اتهام أخرى تخص القتيل الوحيد الذي لم يكن من أنصاره: الصحافي المعارض الحسيني أبو ضيف.
انعكس الصراع على رئاسة مصر انعكاساً هائلاً على القضاء المصريّ، فعزل النائب العام عبد المجيد محمود، الذي ارتبط اسمه بسلطة الرئيس المخلوع حسني مبارك، جرى بقرار من مرسي خلال فترة رئاسته، ولكنّ «الدولة العميقة» المصرية ردّت بإعادة تعيين محمود، وبعد استقالته قامت بتعيين نائب عام آخر هو هشام بركات وذلك في 10 تموز/يوليو 2013 الذي أدى اليمين الدستورية أمام الرئيس المؤقت عدلي منصور.
والنتيجة أن قائمة طويلة جداً من التهم أغلبها يقود للحكم بالإعدام صارت تواجه مرسي بينها «الاشتراك في احتجاز وتعذيب مواطنين» و»الشروع في قتل» و»البلطجة واستعراض القوة وترويع مواطنين» و»اقتحام السجون» و»تخابر وقتل وشروع بالقتل والسعي والتخابر مع حركة حماس» الخ…
غير أن مفارقات القضاء المصري السوداء ليست إلا نتيجة للمفارقات السياسية المصرية الكبرى وفي رأس قائمتها بالطبع أن كل هذه الاتهامات (باستثناء جريمة التخابر مع «حماس» طبعاً!) المبنيّة على ظلم وتعسّف وعدم توازن مريع، تكاد تنطبق على رأس النظام الحالي وقادة أجهزته الأمنية، المسؤولين عن فض اعتصامات سلميّة في ساحتي «رابعة العدوية» و»النهضة» بالقوة القاهرة والتسبب بقتل مئات المحتجين.
ويضاف إلى ذلك قائمة طويلة كلّها تنطق بأن النظام المصري القديم، عاد للانتقام، ولكن بمحركات استبداد شرس أكثر، ولذلك فإن إطلاق القضاء المصري سراح الرئيس المخلوع حسني مبارك وتبرئته من جرائم قتل متظاهرين بالمئات سقطوا خلال ثورتهم على نظامه حين كان على رأس السلطة التنفيذية، في مقابل أحكام الإعدام والسجن ضد مرسي وأنصاره، ليس إلا تفصيلاً إضافياً يؤكّد ما يريد كثيرون، كرهاً بالإخوان، إخفاءه.
والواقع يقول إن النظام المصري لا يبدو مهتمّاً كثيراً بتصديق البشر لاتهاماته، بقدر اهتمامه بإعدام أفكار بعينها، ولعلّ على رأسها فكرة انتخاب رئيس مدنيّ، ناهيك عن أنه من تيّار إسلاميّ، وربما إعدام فكرة اختيار المصريين الحرّ لرئيس فحسب.
الحكم ضد الرئيس الأسبق لا يفعل غير أن يعمّق أزمة النظام المصري الوجودية، فمرسي ما زال رئيساً منتخباً تمّ الانقلاب العسكريّ عليه، ومراكمة التهم الكاريكاتورية وإصدار الأحكام بالإعدام والسجن، وحتى قبول دول العالم بسلطة القوة القاهرة، لا يمكن أن يغيّر هذه الحقيقة البسيطة.
الحقيقة – على عكس الأشخاص – لا يمكن سجنها.

رأي القدس

Advertisements
عقوبة أن تكون رئيساً مدنيّاً في مصر! — رأي القدس