اليمن السعيد في اليمن البعيد؟ ——-واسيني الأعرج

اليمن السعيد في اليمن البعيد؟

واسيني الأعرج

لم يبق الشيء الكثير، من اليمن السعيد كما أسماه الروم، إذا صدقت الروايات القديمة. فقد كان جزءا من الذاكرة الجمعية الإنسانية الحية الممتدة في التاريخ البعيد.
لا غرابة في طرح سؤال كم يبدو اليوم ملحا في عالم عربي في عز تفككه وانهياره. ماذا بقي من الأرض التي أخرجت الإنسانية من ظلمات الموت وفقدان الذاكرة؟ ماذا نستحضر اليوم من حضارة لم تبق إلا حجارتها وعلامات أبجدياتها؟ هل ترك التتار الجدد الذين اجتاحوا الأراضي العربية، فنهبوها وسرقوا تاريخها وانتقموا من تاريخ صنع أمجادها؟ ألم يكن اليمنيون روادا في تطوير واحدة من أقدم الأبجديات؟ تشهد الأبحاث الأركيولوجية القديمة، على أنهم أول من اشتغل بتبصر وجدية على الخط المسند، وطوروه في جنوب الجزيرة العربية أي اليمن، وغرب عمان، وجنوب السعودية، وشمال إثيوبيا وإرتيريا، في القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد. كان المسند نظاما كتابيا محليا قبل أن ينتشر عالميا، وتم به حفظ الكثير من المأثورات البشرية، ولم يتراجع وجوده وقوته إلا في فترة انتشار المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وهيمنة الأبجدية السريانية على الجزء الأكبر من الجزيرة العربية. هذا هو اليمن السعيد حقيقة، يمن البشرية التي تفكر وتعيش وتبدع. قامت بعدها في اليمن أنظمة حكم متنوعة في العصور الوسطى لا تمت بصلة للزمن الإنساني المتسع والمنفتح، فكانت الدولة الزيادية، والإمامة الزيدية، والدولة الطاهرية وغيرها، ثم كانت الدولة الرسولية، فمملكة المتوكلية، قبل قيام الجمهورية العربية اليمنية في 1962، وبقاء جنوب اليمن محمية بريطانية حتى عام 1967. وفي 22 مايو 1990 قامت جمهورية اليمن الموحد. عندما جاء علي عبد الله صالح في 1978، تغير الكثير في اليمن. سيطر على الدولة القبلية كما تصورها، وترك جزءا من الجيش للواء علي محسن الأحمر، بينما بقيت القبائل العربية الأخرى خارج النظام المركزي، شبه مستقلة، خاضعة للولاءات ولمراكز القرار المختلفة، محليا وعربيا. بذلك انتفت صفة اليمن السعيد، وحل محلها تاريخ من الانكسارات والحروب القبلية، لا تحكمها دولة مركزية، ولكن توازنات الخوف والمال. انتفى الماضي السعيد وحل محله نظام أبوي شبيه بقبيلة كبيرة، يسيره العقل الضيق نفسه الذي يمكن أن ينهار كليا في أية لحظة. وقد حدث ما ظل يخافه الجميع، أي سقوط الواجهة النظامية.
الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان يفترض أن يغادر الحكم في عزّ الثورات العربية، حاملا معه دستورا مزق البلاد أكثر مما جمعها، ونجمة الحظ التي منحته الحياة بقدرة قادر، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال أحرقت جزءا من جسده، ووجهه، بل أكثر من ذلك فقد عاد متخفيا وراء حرب حوثية غير مسبوقة، بعقلية انتقامية، معرضا هشاشة البلاد للانهيار الكلي. أشعل البلاد كلها، وأسقط العاصمة، لتوريث أبنائه خرابا اسمه اليمن، أو ما سينجو من حرائقه. خلق مناخا حربيا جديدا أشرك فيه أعداء الأمس من الحوثيين. ودخل مغامرة خطيرة، كان من نتائجها إسقاط نظام حكم كان ثمرة لانتخابات بكل حدودها، حافظت على خيط ديمقراطي وأمني هش. لقد اشتغل علي عبدالله صالح بعقلية انقلابية، معتمدا على علاقته الوطيدة بالمؤسسة العسكرية التي ظل الكثير من الضباط فيها أوفياء له بسبب المصالح الضخمة والريع، وبسبب الروابط القبلية العميقة التي تشكل البنية التحتية في اليمن لمختلف العلاقات والروابط. علاقات شديدة الترسخ في المخيال والثقافة اليمنيين. كما ارتكز على تواطؤ سري مع الحوثيين الذين تحولوا بسرعة من مليشيات محاربة في الجبال، إلى قوة عسكرية ميدانيا، وقوة سياسية أيضا بسند خارجي غير مخفي، وقادرة على التحاور وفرض النفس من موقع القوة، في ظل وضع دولي شديد الخطورة، قادر على الانزلاق في أية لحظة، نحو التدمير الذاتي الكلي. وقوة دولية عاجزة عن فرض عدلها الذي يتحرك حسب المصلحة ويزن الأمور بمكيالين.
حتى القوة الجهوية التي برزت بوضوح مع الثورات العربية، أصبحت غير فاعلة في ظل تراجع الدور التركي الذي ظل حبيس الأطروحات الأيديولوجية الإخوانية، الأمر الذي لم يسمح لتركيا بالذهاب بعيدا في خياراتها خوفا من التورط في حرب لا تنتهي ومن وضع داخلي ضاغط بقوة. الخيارات اليمنية الحربية تطرح أمامنا اليوم العديد من الأسئلة. ما هي آفاق وضع يتردى يوميا من دون أمل في حلول سريعة؟ إلا توجد بوابات حوارية بين الفرقاء، تحت ضغط دولي حقيقي، لتجنيب اليمن ويلات الحرب التي لن تكون في النهاية إلا موتا وحرائق مشتعلة في كل مكان قبل أن تنشب في القلوب وتتحول إلى أحقاد متواترة، في ظل وضع قبلي انتقامي، تحتاج إلى زمن طويل لتنطفئ؟
ما زلت أعتقد أنه يجب الإصغاء للأصوات التي تنادي بضرورة تنشيط الدبلوماسية، ومنحها فرصة تجنيب اليمن دمارا يمسح كل يوم معالم المدن التاريخية والبشر. المنطقة بكاملها تنام اليوم على بركان حقيقي، قد يعصف بكل التوازنات القديمة والمستقرة منذ قرابة القرن، والتي تلعب فيها أمريكا الدور الحاسم. المشكلة في النهاية هي الشعب اليمني الذي يموت يوميا ويتشرد بلا أمل في الآتي، ولا حل يرتسم في الأفق. فقد خسر الماضي الذي يتحول اليوم إلى رماد، والحاضر أيضا إذ التفت نحو الحرب المدمرة، موافقا أو مضادا، في ظل الأدخنة المتصاعدة المعمية لأي أمل.
الفقر والتمزق والتسلح الأعمى والقبلية المستشرية، كلها عناصر سيعمقها غياب الحلول السلمية، وغياب الدولة الوطنية الناظمة، التي لم تُشد ولم تبن إلى اليوم أبدا، بسبب الأنانيات السلطوية التي رهنت البلاد بكاملها بين أيدي قوى منطقها ميليشياوي، ونظام سلالي انتقامي من الشعب والأرض.
شيء واحد ووحيد هو الإصرار على يمن موحد، يعيش في سلام ومودة وخير، ضامنا لمصالح شعبه، والمصلحة المشتركة بينه وبين جيرانه. وحل واحد لا غيره، يفرض نفسه اليوم، في المنظور القريب والمتوسط، إما الحوار، إذا توافرت الإرادات من موقع تقاسم السلطة بين الشرعية أو بقاياها، والمعارضة العسكرية المتمثلة في الحوثيين وبقايا النظام السابق، التي لا يستهان بقدراتها التدميرية لتفادي المزيد من المآسي، أو الحل العسكري الشامل، مما يعني حربا أهلية مدمرة، ودخول التحالف العربي في حرب برية قد تعقد الأوضاع أكثر، تدفع إلى المزيد من التطرف من كل الجهات، التي لا تحل معضلة الخيارات الديمقراطية المؤجلة، بل ستخلق أزمات جديدة لم تكن في الحسبان.
من هنا، لا أفق لليمن إلا العودة بالضغط العربي والدولي الأمريكي والإيراني، لقبول الحوار، وتقاسم السلطة، وتحضير انتخابات، نعرف سلفا أنها لن تكون ديمقراطية بالشكل الكامل، وسهلة، ولكن تضمن على الأقل انتقالا سلسا للسلطة، نحو ديمقراطية تشاركية، تُحفظ فيها مصالح الفرق المتقاتلة والقبائل المتأرجحة.
قد يستفيد الحوثيون من هذا الوضع المتأزم، لكن المستفيد الرئيسي هو القاعدة التي تبسط الآن سلطانها على الكثير من المناطق، بلا حرب. وقد يجعل هذا الوضع من اليمن، عشا للقاعدة وداعش وشباب القرن الأفريقي، تصبح بعدها لملة أطراف اليمن الممزق أمرا مستحيلا.
الجميع ينتظر اليوم حلولا حقيقية يكون فيها الوطن والإنسان هما الرهان الأعظم لكل محاولة صلح بين مختلف الأطراف المتنازعة.

واسيني الأعرج

Advertisements
اليمن السعيد في اليمن البعيد؟ ——-واسيني الأعرج