عادل ابراهيم -عادل كلر-ساندرا كدودة.. حرج الأسئلة [المقال الثاني]

ساندرا كدودة.. حرج الأسئلة [المقال الثاني]
(ملاحظات عابرة حول أداء الصحافة والشرطة والأمن..!)

(أم الكلب.. بعشوم) مثل سوداني

(2) الجهات النظامية: قرائن الأحوال والشكوك المعقولة!
وعدت بالأمس بأن أناقش (الجهد المقدر) للإخوة في المؤسسات النظامية، والذي أرى بأن اللبنة الأولى في “مداميك” فحصه وإختباره، تتأسس على الأرضية (الفنية) بالنسبة لمنطق الحس والنزعة الشرطية والأمنية، والتي تنبذل في خبر صحيفة (الجريدة) سابق الذكر في العبارة (تم التحقيق مع ساندرا من قبل الخاطفين حول الشأن السياسي العام وتحديداً حملة “ارحل” لمقاطعة الإنتخابات).. والتي يتحدد من بين قوسيها “شك معقول” تؤكده “قرائن الأحوال الأخرى، الكامنة في ثنايا تفاصيل الحادثة، فضلاً عن أي شهادة لشاهد “محتمل”، ويعضد “الشك المعقول” في إتجاه إثبات كون الجهة (أو الأفراد) التي إرتكبت وشاركت في الفعل المجرَّم، ذات طبيعة أو نزعة “سياسية”، حقائق وقوع الحادثة بعد ليلة سياسية ذات أهداف وطبيعة معلومة، وفي مكان محدد “إتصلت بالهاتف.. وجدت السيارة في وضع محدد.. تم العثور عليها بالحالة المثبتة في تقرير الطبيب”؛ وذلك مقروناً مع (تم التحقيق معها من قبل الخاطفين حول كذا وكذا)..
أ
بالنسبة لموقف الشرطة، أقول بداية بأنها الجهة الأقدم والأعرق في التجربة السودانية، في تولي المسألة الأمنية بالبلاد على نحو ذو كفاءة مهنية عالية، كما يشهد بذلك تاريخها المعلوم، على مستوى إدارتها المختلفة: جمارك، حرس صيد، مباحث، سجون، محاكم.. إلخ، وعلى مستوى الإدارة العامة للمباحث، بحكم إحتكاك عمل الشرطة المباشر مع الجمهور بطبيعة الحال، وللصحافة سهم وفير، في إرساء دعائم هذه العلاقة، على مستوى الإخبار والإعلام والمراقبة وغيرها من وظائف الإعلام، لا سيما الصفحات المختصة بأخبار المحاكم والحوادث والجريمة، وهو ضرب فيها مدارس ولافتا صحفية عديدة في كافة مراحل التاريخ الحديث، والقريب.
ومن ثنايا هذا (الأدب الصحفي) أعود لخبر صحيفة (الجريدة) الذي أكرر بأنه وحدة كفيل بأن (يحمل الشخص على الإعتقاد) بأن “جهة بعينها” قد أقدمت على إرتكاب هذه الجريمة “الخطف”، بنص قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 المعرِّف لـ”ما يحمله على الاعتقاد” يقال عن الشخص أن لديه ما يحمله على الاعتقاد إذا كانت لديه أسباب للاعتقاد، أو كانت الظروف التي وجد فيها تدعو مثله للاعتقاد، إ،هـ.
وحيث أن سلامة الناس الغاية الأسمى للقانون في الفلسفة الأعمق للعمل الشرطي، وإستناداً على حق كل شخص في الحرية والأمن لشخصه، إستغربت جداً لـ(أداء) الشرطة في الحادثة، حيث درجت العادة على أن نطالع بالصحف خبر تشكيل “تيم” بقيادة الضابط فلان، وعادة ما يكون من خيرة منسوبي سلك وشعب المباحث، وتأمل يارعاك الله مجدداً في أخبار مثل التي تجد بـ(الدار) والصحف الإجتماعية الأخرى وحتى السياسية، والتي تدبج السطور الطوال متابعة لملفات القضايا الجنائية (ذات الطابع العام) و[الخاص ذاتو مرات ‏‎smile‎‏ رمز تعبيري ]، متواترةً معها أشغال صحفية أخرى من حوارات وتوثيقات وتغطيات مزينة بإفادات الشرطة الرسمية “بصورة أكثر حماسة من التي نشهدها الآن في بلاغ خطف ساندرا”، وحتى يكون الموقف من الشرطة أكثر وضوحاً، وتأسيساً على حيثيات (أو فرضية) خطفها.. وفقاً لنصوص قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 ونص المادَّة (162) “الخطف”، على ضوء (تحقيق الخاطفين معها حول الشأن السياسي وحملة “ارحل”)، ألا يفتح ذلك الباب واسعاً أمام (شبهة) أخرى بالقانون الجنائي المادة (165) “الإعتقال غير المشروع” والتي تنص في الفقرة (165-2) على “إذا حدث الإعتقال بطريقة سرية أو قصد به إنتزاع إعتراف من المعتقل أو إكراهه على رد مال أو على فعل مخالف للقانون أو كان من شأن الإعتقال تعريض حياته للخطر، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات كما تجوز معاقبته بالغرامة”.
وبكل ثقة مفترضة وواجبة في الشرطة السودانية ومباحثها العامة والجنائية، أقول بأن الطريق لفك طلاسم الموضوع (إن كانت هنالك طلاسم!) إنطلاقاً من حقيقة أن الجهة (أو الأفراد) الذين إرتكبوا الحادثة ذو طبيعة سياسية معلومة، بدلالة “التحري عن إرحل” والوضع السياسي مع ناشطة سياسية (معارضة للحكومة) بطريقة منظمة وحسنة الترتيب والتدريب (تتوفر لديهم سيارات ومكان للإحتجاز والإستجواب) بل لديهم (ثقة كبيرة) من واقع “خطف” ساندرا من شارع الموردة وبعد ثلاثة أيام –ورغم فتح بلاغ وذيوع خبر الجريمة- يعودوا –بكل إطمئنان!!- لرميها في شارع الستين.. فأي ثقة هؤلاء الـ(خاطفين)!
وعلى صعيد ذي، فليكن واجب المهتمين والـ(جهات الأهلية) من “تبج” و”عبري” إلى “الخرطوم” والمجتمع المدني بصورة أشمل وأدق، متابعة الأمر بالأدوات الجماهيرية المعلومة، حملة إعلامية أو مذكرات أو مقابلات.. إلخ من وسائل مدنية وفقاً لما يكفله القانون من حقوق في التعبير والتنظيم والتجمع، بمعنى أن يكون هنالك (طلب إستعجال جماهيري) مستمر، وذلك لتفعيل حقيقة أن الشرطة السودانية كانت ولا تزال (عين ساهرة ويد أمينة) عبر كشفها عن الجهة (أو الأفراد) الذين لديهم عقار ودواب تجول وتذرع العاصمة وتترصد أمثال “ساندرا”..
ناهيك عن كون نوعية الأسئلة التي وجهت إليها تكشف عن (دوافع) الجريمة وتؤشر بإستنتاجات “منطقية” إلى “خلفية” مرتكبيها.. فمتى تحسم المباحث قضية خطف ساندرا..؟ هذا هو محك الشرطة.. نسأل الله لهم العون والتوفيق، وكفانا الله وإياهم حرج الأسئلة والإستفهامات..
ب
رغماً عن كون حرية المواطن بمقتضى القانون هي الأصل، في كل أنحاء العالم، وهي حقيقة لا تتناطح حولها عنزتان، لكن وللإسف فإن “أداء” عدد كبير من الحكومات بالعالم، يضج بتجاوزات وخيمة، في هذا الجانب، إذ أن الإستثناءات المنصوص عليها –حقوقياً وقانونياً “في العادة”- مقيدة جداً وواضحة، وعادةً ما تضم حقوق للمعتقل تشمل أفهامه سبب إعتقاله بلغة واضحه ويسمح له بأدويته وضروريات الحياة.. إلخ، لكن شهد العالم تجاوزات أثارته مؤخراً على نحو (حكاية غوانتامو) حيث تحايلت الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الحق الأصيل لـ”المعتقلين” مدنيين كانوا أم عسكريين أم أسرى عبر إحالة (الإعتقال الإستثنائي) إلى بلد ثالث، والتي يدعوها الخواجات بـ” Rendition” باللسان القانوني وهي مفردة لوصف القبض غير المشروع (الإختطاف فعلياً) الذي جرى إستخدامه أصلاً لشخص في بلد بغرض نقله للمثول أمام المحاكمة في بلد ثالث؛ وللمفارقة أن حلفيتها الأبرز “بريطانيا توني بلير” كانت قد شهدت في العام 1993 –قبل 11 سبتمبر بالطبع- رفض مجلس اللوردات إجراء هذا النوع من المحاكمات بإعتباره إنتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ومع ذلك لم يردع ذلك التأسيس الأخلاقي القانوني الفلسفي، أمريكا من المضي قدماً في تجربة “غوانتامو” سيئة الصيت، أو دولاً أخرى من العالم على سبيل المثال، أن تستفيد من “العبقرية الأمريكية” في الإلتفاف القانوني والإجرائي على المباديء القانونية والحقوقية، فلك أن تتصور مثلاً إقدام الأمن الطلابي أو الأمن الشعبي وغيرها من مسميات أو مكاتب “العمل الخاص”، على القيام بمهام قذرة نيابة عن جهاز الأمن الرسمي للدولة المعنية، للإفلات من تبعات الإتهام الرسمي أو الحرج السياسي، وما “شبيحة” الأسد و”بلطجية” مبارك.. وما شاكلهم من “رباطة” ببعيدين من الأذهان.
جـ
بالنسبة لـ(أداء) جهاز الأمن، فهنالك وجهان للقول؛ أولهما يظل في أن ما ينطبق على الشرطة، لا يليه جهاز الأمن فحسب، بل يقع في صميم مهامه، ومقدراته (المهنية) في جانب لا يخلو من طرافة، بذريعة إنخراط هؤلاء الـ”خاطفين” في “التحري السياسي والإستجواب والإحتجاز (الإعتقال=الخطف لثلاثة أيام)” منتحلين صفة الأمن أو دور (الموظف العام).. وفي قلب العاصمة القومية وفي خضم نشاط القوى المعارضة، وفي ظرف سياسي (إنتخابات عامة) وكاميرات وكالات الأنباء العالمية تتجول شوارع البلاد.. على الأقل لـ(أداء الدور المتوقع من جهاز بضخامة جهاز الأمن وميزانياته وصلاحياته).. هذا في جانب المسئولية المهنية للجهاز تجاه حادثة خطف أم شابة وناشطة سياسية معروفة في خضم حدث سياسي وقومي يهم النظام الذي يفترض أن يكون جهاز الأمن ساهراً على رعايته دستوراً وقانوناً.. ولربما كان هنالك ما قد يفوق قدرات جهاز الشرطة –لا سمح الله- وعليه إن كان للجهاز بلاغ “إشانة سمعة” ضد فرد ما في هذه البلاد، فهي مسئولية الإدارة القانونية للجهاز ومستشاريه، فعليه أن يسد ثغر الأمن هنا بالمدائن، بمثلما يجهد بثغر جنوب كردفان، بهيئة عملياته.. ونشهد نحن كـ(مراقبين) بأن (إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني) “شايفة شغلا غايتو في الجرايد ظاهر ياهو”.. وعليه ينبغي ويتوجب على الإدارة المعنية بالمهددات الأمنية المحتملة في “خطف ساندرا” وعلى هذا النوع أن “تشوف شغلا برضو”.. على الأقل في مستوى (إجتهاد) إدارة الإعلام مع الجرائد!
أما الوجه الثاني للقول، فهو قانوني بحت، وبما أن الجهاز شرع في مقاضاة “ساندرا” والملف بيد النيابة، فسأمتنع عن الخوض فيه.. وفي ذهني يدور سؤال: “هي ساندرا إتهمت الجهاز بإنو خطفها.. ساندرا قالت كدي؟ متين ووين؟”..
(3)
ومع ذلك يظل السؤال البريء مشروعاً في وجه الشرطة والأمن:
“من خطف ساندرا فاروق كدودة؟”
(4)
الساعة الآن 5:04
والآن أدرك كلر الصباح
فسكت عن الكلام المباح
ملحوظة:
“أم الكلب.. بعشوم”.. والعكس صحيح!! ده الزيت

صورة ‏‎Adil Colour‎‏.
صورة ‏‎Adil Colour‎‏.
Advertisements
عادل ابراهيم -عادل كلر-ساندرا كدودة.. حرج الأسئلة [المقال الثاني]