نحو الوعي المنهجي بتدريس الرواية العربية – زهور كرام- القدس العربي

نحو الوعي المنهجي بتدريس الرواية العربية

زهور كرام

تأخذ المعرفة الأدبية، ومختلف القضايا والظواهر الفكرية، وباقي العلوم الإنسانية، أبعادا جديدة مع منهجية البحث العلمي، التي تُعيد النظر في كل المعارف، من خلال اعتماد مبدأ الشك فيما اعتُبر معطى جاهزا، كما تُحرر المعرفة من سير تداولها التاريخي، وتفكك رتابتها، وتُخرجها من اليقين المفهومي إلى المحتمل، عندما تُحوَلها إلى فرضيات، قابلة لإعادة المُساءلة. وهذا ما يجعل من علمية المعرفة بشكل عام، شرعية مرجعية.
كما تُنتج هذه المقاربة العلمية للمعرفة، فكرا مُتحررا من التبعية للمألوف، قادرا على إعادة توجيه المعرفة نحو آفاق جديدة، ومختلفة من أجل تجديد الوعي بها.
ولنا أمثلة كثيرة من القضايا الفكرية والظواهر الثقافية والأدبية، التي عرفت في ساحة النقاش الثقافي العام، اصطدامات في الرأي، وأنتجت خلافا حولها، عوض الاختلاف الذي يُطوَر الاقتراب منها، وعندما تم تداولها علميا، في إطار البحث العلمي، فقد عرفت توجيها جديدا في طريقة التفكير فيها، مما أثر في شكل الوعي بها.
لا يعني هذا، الدعوة إلى إقصاء المقاربات الثقافية وغيرها من الإمكانات التي تشتغل بالقضايا، وتطرح إجابات وتفسيرات، إنما الإشارة إلى المقاربة العلمية، من باب تحرير المعرفة من اليقين المفهومي، الذي تعتمده الدراسات، ويصبح معطى جاهزا، ويتم اعتماده في عملية الفهم والوعي.
ولهذا، عندما نثير أهمية دراسة المعرفة الأدبية بمنهجية البحث العلمي، فذلك من أجل إنتاج وعي بضرورة إعادة مُساءلة مختلف المقاربات، والتفسيرات، والتحديدات التي ألفناها في تلقينا للمعرفة الأدبية.
عندما نُفكر في الرواية العربية، وفي تاريخ تأسيسها وتأصيلها في التربة العربية، ونتابع مختلف المحطات التي مرت منها، فنحن نفكر فيها، باعتبارها شكلا مُعبرا عن حالة عربية واحدة.
وإذا كانت مثل هذه الرؤية تتماشى مع بداية الانشغال بالرواية العربية، فإن التحولات التي يعرفها التفكير العلمي، تجعل مساءلة التحديدات الأولية للرواية العربية مسألة، ليس فقط ممكنة، إنما ضرورية، لأن اعتبار الرواية حالة تعبيرية عربية واحدة، تلتقي في الأسئلة نفسها، وتنشغل بالاهتمامات نفسها، وتتبع في مسارها التشكل والتكون والتطور والتحول نفسه، تحديد بات مُتجاوزا، بالرجوع أولا إلى الرواية الأولى في كل بلد عربي، التي تُعبَر عن اختلاف في منطق التأسيس، وأن كل تجربة روائية، كانت استجابة لأسئلة سياقية، خاصة بحاجيات المجتمع ومتطلباته، ولم تكن استهلاكا لأسئلة مجتمع عربي آخر.
ولهذا تختلف شروط التأسيس للجنس الروائي في التربة العربية، كما تختلف أشكال التحول والتطور، وينعكس ذلك على راهنية الرواية في تجربة كل بلد عربي.
كما أن اعتماد مفهوم السرد باعتباره حالة ثقافية مجتمعية، يجعلنا نتجاوز فكرة الانطلاق من محددات مشتركة في السرد العربي، أو اعتماد مبدأ المرجع الذي عندما يتحول إلى موقع للرؤية فإنه قد يعطل مسألة تدبير قراءة خصوصية إبداع مجتمع من المجتمعات العربية.
لهذا، إذا كانت الرواية في مصر وسوريا ولبنان على الخصوص، قد عرفت في نشأتها، وتطورها اتجاهات واضحة في الكتابة، فإن الرواية المغربية على سبيل المثال، لم تعرف في زمنها التأسيسي مفهوم الاتجاهات والمدارس، نظرا لكونها انطلقت من زمن مُغاير- إلى حد ما- باعتماد خلفية السيرة الذاتية، كما نجد مع نصي» الزاوية» (1942) للتهامي الوزاني (1903-1972) و»في الطفولة» لعبد المجيد بنجلون، كما أن الرواية في بعض البلدان الخليجية، مثل الإمارات، من أجل الوعي بها، لا يمكن اعتماد شروط تأسيس الرواية نفسها في كثير من التجارب العربية، لأنها تنتج شكلا خاصا بتجربة السياق المجتمعي الإماراتي.
ويكفي أن نشير إلى تأخر ظهور الرواية في الإمارات، إذ لم تبدأ إلا مع بداية السبعينيات، مع رواية «شاهندة» للروائي راشد عبد الله، كما أن إدراك طبيعة الرواية الإماراتية، لا يتم عبر الجهاز المفاهيمي لزمن ظهور الرواية العربية، من حيث تبني الشرط التاريخي لمراحل التطور نفسه، إنما، نلاحظ مقاربة مختلفة لتأصيل الرواية في التربة الإماراتية.
فإذا وجدنا الكثير من التجارب الروائية العربية انطلقت من خلفية السيرة الذاتية، أو الرحلة، أو المقامة، واعتمدت أشكالا سردية تراثية كثيرة، وهي تنخرط في السرد الحديث مع جنس الرواية، فإن الرواية الإماراتية، وإن كانت بدورها، قد اعتمدت على الإرث التراثي السردي في كتابة أول رواية» شاهندة»، وهي بذلك تلتقي مع مختلف التجارب العربية الأولى، التي تحققت روائيتها، من حالة الاصطدام بين المرجعية السردية التراثية، والمتغيرات السردية التي أحدثها نشوء الجنس الروائي في التجربة الغربية، غير أن الوعي بتطورها وتحولها، لا يعتمد المنطق المتبع في التجارب العربية نفسه، وهو منطق يتبنى علاقة التحول الروائي بالتحول الاجتماعي والسياسي. إذ، الوعي النقدي بالرواية الإماراتية، يكاد لا يستقيم إلا باعتماد جنس أدبي آخر، من أجل مقاربة نمو الرواية، وتطورها. نقصد بذلك القصة القصيرة، التي تأتي من حيث التراكم والاهتمام بعد الشعر في التجربة الإبداعية الإماراتية. فقد تجاوز عدد المجاميع القصصية في الإمارات، ابتداء من السبعينيات من القرن الماضي، إلى سنة 2008، 90 مجموعة قصصية.
غير أن وضعية الخطاب القصصي الإماراتي، يتميز بخاصية بنائية، جعلت منه مرجعا فنيا لتطور الرواية، ولهذا، فإن تحليل القصة القصيرة، يجعل الدرس النقدي، يفكر بإمكانية ارتفاع عدد الروايات في الإمارات، وكذا، تطورها، وانخراط المبدع في التعبير من خلالها، نظرا لأسباب بنيوية سردية، ذات علاقة بوضعية خطاب القصة القصيرة، التي تتوفر على مكونات روائية، مثل الحوار والوصف الدقيق، والحضور القوي للشخصيات، وتحليل الأحداث وتعدد الساردين وهيمنة الملفوظ الاجتماعي، وهي إمكانيات سردية روائية، تجعل من القصة القصيرة رواية في حالة التَكوَن والتَشكَل. إنه وضع، يساعد على سرعة الانخراط في جنس الرواية، التي ستحمل معها ذاكرة القصة القصيرة.
تعكس بعض النماذج الروائية الإماراتية هذا الوضع، كما نجد مع القاصة الروائية أسماء الزرعوني في روايتها «الجسد الراحل» الصادرة سنة 2004، التي تتضمن ملامح القصة القصيرة الطويلة. كما تنعكس هذه التركيبة السردية، أو هذا الانتقال من القصة القصيرة إلى الرواية، على السرد الإماراتي، الذي يعرف تنويعات سردية عديدة في خطابه، ولهذا نلتقي بنصوص يصعب تجنيسها، لكونها تقع عند ملتقى هذا الانتقال من القصة إلى الرواية. ولعل وضعية السرد الإماراتي، الذي يؤسس لمنطق خاص به، له علاقة بالمجتمع الإماراتي، وبطبيعة التحولات السريعة، وبمفهومي الدولة والمدينة، ولذلك، يأتي السرد شبيها بواقع المجتمع.
عندما، نُعمم التصور نفسه في قراءة الرواية العربية، فإننا نُقصي علاقة التفاعل بين تحولات المجتمع، وشكل التعبير عنه. إن إعادة الوعي بالرواية العربية وفق منطق منهجية البحث العلمي، يجعلنا نتجاوز التحديدات المفاهيمية التي ألفناها في تلقينا للرواية العربية، كما يحفزنا على توسيع الرؤية، وتناول الرواية العربية حسب السياقات الاجتماعية، والأسئلة التاريخية الخاصة بكل بلد على حدة. تنتج هذه المقاربة العلمية، المبنية على إعادة مناقشة القضايا الأدبية، بعيدا عن استهلاك التصورات نفسها، رؤية جديدة، ليس فقط لجنس الرواية في السياقات العربية، إنما نظرة جديدة حول مسار تحول كل مجتمع عربي، وكذا الاختيارات السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي اعتمدها كل بلد عربي. إن المقاربة العلمية للقضايا الأدبية والفكرية، إمكانية منهجية تسمح بتحرير التفكير من التحديدات الجاهزة، وتحقق وعيا مُؤهلا لطرح السؤال على التاريخ والأدب والفكر والمجتمع.

كاتبة مغربية

زهور كرام

Advertisements
نحو الوعي المنهجي بتدريس الرواية العربية – زهور كرام- القدس العربي